الغزالي

528

إحياء علوم الدين

فيقول : قال الله عز وجل : * ( اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّه طَغى « 1 » ) * ويشير إلى قلبه ويومئ إلى أنه المراد بفرعون : وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع وهو ممنوع ، وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل فينزلون القرءان على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعا أنها غير مرادة به فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي ، ويكون المراد بالرأي الرأي الفاسد الموافق للهوى دون الاجتهاد الصحيح والرأي يتناول الصحيح والفاسد والموافق للهوى قد يخصص باسم الرأي والوجه الثاني : أن يتسارع إلى تفسير القرءان بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرءان ، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة ، وما فيه من الاختصار والحذف والاضمار والتقديم والتأخير . فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ، ودخل في زمرة من يفسر بالرأي . فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا ، ليتقى به مواضع الغلط ، ثم بعد ذلك يتسع التفهم والاستنباط والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة ، ونحن نرمز إلى جمل منها ، ليستدل بها على أمثالها ، ويعلم أنه لا يجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر أولا ، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر . ومن ادعى فهم أسرار القرءان ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن يدعى البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب ، أو يدعى فهم مقاصد الأتراك من كلامهم وهو لا يفهم لغة الترك ، فان ظاهر التفسير يجرى مجرى تعليم اللغة التي لا بد منها للفهم وما لا بد فيه من السماع فنون كثيرة : منها الايجاز بالحذف والاضمار كقوله تعالى : * ( وآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها « 2 » ) * معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها . فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء ، ولم يدر أنهم بما ذا ظلموا وأنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم . وقوله تعالى : * ( وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ « 3 » ) * أي حب العجل ، فحذف الحب . وقوله عز وجل : * ( إِذاً لأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وضِعْفَ الْمَماتِ « 4 » ) * أي ضعف عذاب الأحياء ، وضعف عذاب الموتى ، فحذف العذاب وأبدل الأحياء والموتى

--> « 1 » طه : 24 « 2 » الإسراء : 59 « 3 » البقرة : 93 « 4 » الاسراء : 75